*الراحل الكبير وصفـي التـل والسيرة العطرة !

مقالي اليوم في “الدستور”
*الراحل الكبير وصفـي التـل والسيرة العطرة !
عبدالله محمد القاق

صادف الثلاثاء الذكرى السادسة والاربعون لاستشهاد المرحوم وصفي التل رئيس الوزراء الاسبق الذي اغتيل في القاهرة اثناء مشاركته في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك يوم 28 تشرين الثاني من العام 1971.
والمرحوم التل من ابرز الشخصيات السياسية الاردنية حيث تولى منصب رئيس الوزراء في الاعوام 1962 و1965 و1970، وعرف باخلاصه وولائه لقيادته الهاشمية وعشقه لوطنه وامته العربية ووحدتها.
وامتاز المرحوم بايمانه بالعمل العربي المشترك والتصدي للاخطار التي واجهت الامة العربية، ودعمه لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير ارضه ووطنه.
ففي مثل هذه الايام من ستة واربعين عاما مضت ودع الاردن ببالغ الحزن والاسى قائدا اردنيا فذا أحبه الاردنيون لانه احبهم وكرس نفسه من اجل الوطن. انه الراحل الكبير وصفي التل رئيس وزراء الاردن الاسبق والذي يعتبر احد رجالات الاردن المرموقين الذين وضعوا استراتيجية وخططا للاسهام في بناء الدولة الاردنية الحديثة وممن لهم بصمات في تجسيد العمل الديمقراطي والسياسي في الاردن لانه كان صاحب رؤية وطنية وقومية قادت الوطن الى مزيد من التفاهم والتعاون والتطور ووضعت لبنات جادة في تفعيل السياسات الوطنية التي كان ينشدها جلالة الراحل الكبير الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه والذي قاد هذه المسيرة الوطنية الملهمة بعده جلالة الملك عبدالله الثاني والذي يسعى بكل جهده الى مواصلة هذه المسيرة بكل ثقة وامن واطمئنان. لقد تميز الفقيد الراحل ابو مصطفى بقدرة فائقة على التحليل وقراءة الاوضاع السياسية العربية والدولية ومؤثراتها المختلفة على الوطن والامة فضلا عن جهده الكبير في العمل والانجاز المصحوبة بالنظرة المستقبلية. فقد اسهم الراحل ابو مصطفى في بناء الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لانه كان صاحب رؤية استراتيجية تخطط للاجيال المقبلة وعكست مصداقيته الاستقرار الراسح للوطن وهو رحمه ينتمي الى جيل المفكرين والسياسيين المتنورين الذين تعودوا على النوائب والصعاب والراحل ابو مصطفى الذي عرفته من خلال عملي صحفيا في الصحف الاردنية التي كانت تصدر في مدينة القدس عندما كان رئيسا للوجيه الوطني حيث كانت قاعة الصحفيين في رئاسة الوزراء في شارع السلط الى جانب مكتبه حيث عرف كيف يؤسس موقفه على منظومة القيم والمبادئ والمثل العليا ويوظف جهده وطاقته في خدمة كل هدف نبيل قد سجل له التاريخ انه كان حاضرا في قضايا الامة داعما ومساندا ومقاتلا وساهم رحمه الله بقدر ما استطاع في السعي لجمع شمل الامة رغم ما اصاب الاردن من قضايا واشكالات متعددة وانه ساهم مع الساعين لتوحيد الصف العربي.
فهذه الذكرى لرحيل الشهيد وصفي التل تدعونا لقراءة الدروس والعبر لهذه الشخصية الوطنية التي نستشعر من خلالها الوحدة والتفاهم والدور الكبير الذي بذله لخدمة القضية الفلسطينية والذي ذهب الى القاهرة للمشاركة وللدفاع عنها في مؤتمر عربي خصص لدراسة القضية الفلسطينية والتي كانت تحتل السويداء في قلب رئيس وزرائنا الراحل والذي لم تغب عنه هذه القضية نظرا لدوره القومي والتي جسدت فيه هذه السياسة مسيرة وحدتنا وتقدمنا وتطورنا.
لقد حضرت مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة برفقة احد وزراء الخارجية العرب المرموقين ابان وجودي في الكويت وعملي كمدير تحرير لجريدة الرأي العام الكويتية وسمعت الكثير عن دور الشهيد وصفي التل من المسؤول الخليجي الذي يتسنم حاليا موقعا رفيعا في بلاده والذي قال: «ان وصفي التل كان رجلا رائعا كعادته وقدم كل ما يمكن ان يدعم القضية الفلسطينية وشعبها في مختلف المجالات لان هذه الحقيقة التي عاشها راحلنا وفقيدنا الكبير كانت تمر في وجدانه القومي والعربي وتسهم في وحدة الصف وسلامة المنهج ونقاء المسيرة الوطنية لدى هذا الرجل الريادي في سياساته والوطني في اتجاهاته والمبدع في اعماله ونشاطاته والهادف الى بناء الوطن وتقديم كل ما يحتاج اليه المواطنين عبر سياسة حكيمة في وقت كانت فيه المؤتمرات والتحديات والصعاب تواجه امتنا العربية بكل الاتجاهات».
لقد عرفت الشهيد وصفي التل عندما كنت اغطي نشاطات رئاسة الوزراء في عمان لصحيفة «الجهاد» الاردنية في القدس حيث كنت التقيه في عمان بر ئاسة الوزراء الى جانب رئيس الوزراء الراحل هزاع المجالي رحمهما الله وكان يزودنا بالاخبار والتقارير عن الجلسة كل يوم احد او يوم اربعاء من كل اسبوع وكنت استمع الى الرئيس الراحل هزاع الذي عرف بالديناميكية يقول لمدير التوجيه الوطني: هل أطلعت سيدنا على القرارات؟ فيجيب ابو مصطفى بقوله «نعم».

لقد لعب الشهيد وصفي التل الذي كان لا يعرف الكلل او الملل في سياساته دائب لنشاط والحركة دورا بارزا في تفعيل الحياة العامة بالاردن عبر كل الصعد فسعى جاهدا الى تطوير الادارة الوطنية وتعزيز العمل في الوزارات والمؤسسات وتطوير القوات المسلحة بغية تقوية قدرات جيشنا الباسل لتحرير الوطن المغتصب فلسطين لانه كان يحاضر ويخطب في العديد من اللقاءات والمؤسسات من اجل القضية الفلسطينية داعيا رحمه الله الى الجهاد والبذل والتضحية والجود بالمال والارواح من اجل تحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.. كان الرئيس الراحل وصفي التل يستشرف المستقبل في لقاءاته واتصالاته عندما كان يدعو لوحدة الصف العربي لمواجهة خطوات اسرائيل التوسعية والعنصرية والفاشية واقامتها للاستيطان المبكر، مشددا في اكثر من مناسبة بالقول «ان الاستيطان ليس حقا لاسرائيل لانه لا علاقة بالشرعية والقانون وبالاعراف الدولية».
كان راحلنا وصفي التل معروفا بسياسته الوطنية ونظرته القومية حيث تم طرده من الجيش البريطاني بسبب اتجاهاته الوطنية والتحاقه بحركة القوميين العرب حيث كانت له افكار قومية يطرحها بين اخوانه ومريديه في الجامعة الامريكية في بيروت والتي تخرج منها مع كوكبة من الشخصيات العربية الوطنية التي كانت ترفض كل المحاولات الرامية الى تقزيم القضية الفلسطينية بل ان سياسته كانت منصبة على مقاومة الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
رحل الشهيد وصفي التل برصاص الغدر في القاهرة وهو يحمل اسمى المواقف والتوجهات تجاه القضية المقدسة فلسطين حيث كان يهدف من خلال مواقفه دعم فلسطين وشعبها عبر كل الصعد وكانت مواقفه واضحة وجلية في هذا المؤتمر الكبير الذي عقد في فندق شيراتون بالقاهرة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1971 والذي استشهد وهو يؤدي رسالة وطنية قومية اردنية للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في استعادة وطنهم المغتصب وفي الاسهام باظهار مواقف الاردن الوطنية والقومية حيال هذه القضية حيث تم جراء هذا العدوان الغاشم على شخصية سياسية ووطنية اردنية اجهاض مشروع وطني وقومي اراد الرئيس الراحل تقديمه لوزراء الخارجية لبناء استراتيجية هادفة وبناءة للقضية الفلسطينية وقد خسره العرب جميعا نتيجة هذا الاعتداء الآثم الغاشم الذي لم يمكنه من طرح افكاره الوطنية والقومية في هذا المؤتمر الذي نصحه مقربون بعدم المشاركة به نظرا للاخطار المحدقة به غير ان فارسنا ابو مصطفى اراد المشاركة وقول الحقيقة في هذا المؤتمر الكبير عن مواقف الاردن الوطنية والقومية امام حملات التزييف والتحريف لسياسة الاردن الخالدة. رحم الله راحلنا الكبير الذي عرف بنباهته وفطنته وحصافة رأيه !
رئيس تحرير جريدة سلوان الاخبارية