ونحـن نسـتقبـل العـام الجديـد

لعل اخطر القضايا التي واجهت العالم العربي في عام 2017 هو قرار الرئيس الاميركي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل ابيب الى القدس، وهو القرار الباطل الذي صوتت على رفضه بشكل ملفت للنظر الدول المحبة للسلام في كل من مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للامم المتحدة، واعتبرته لا قيمة له قانونيا من حيث الشكل والمضمون ولم يغير من الواقع شيئا، وانعقاد مؤتمرات القمة في عمان عاصمة الوفاق والاتفاق ومؤتمر القمة العربي الاسلامي في تركيا ومؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة بناء لدعوة اردنية وفلسطينية، وهو الذي مهد لرفض 57 دولة عربية واسلامية قرار ترامب الذي رافقته حملات اميركية بالتهديد والوعيد، كما اتسمت هذه السنة بتحركات جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه رئيسا للقمة العربية على المستويين العربي والدولي، بغية تجسيد العلاقات الاردنية مع قادة هذه الدول وتفعيل العلاقات لمصلحة الوطن والمواطنين، بالاضافة الى انتهاء وجود داعش الارهابي في العراق، والقضاء على جزء كبير منه في سورية، و استعار الحرب باليمن، ومقتل الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، واندلاع الازمة الخليجية، ونشوب انتفاضة الاقصى، إذ مضى على اول هبة وطنية ضد اسرائيل حوالي الثلاثين عاما لجرائمها المتكررة ضد الفلسطينيين والمقدسات الاسلامية والمسيحية.
والواقع انه في الوقت الذي نودع فيه عاما بمحاسنه وسلبياته التي غلبت عليه، سواء أكانت من الناحيتين السياسية او الاقتصادية محلياً وعربياً، في ضوء ثورات الربيع العربي التي شهدت الكثير من التحولات والاقتتال بين الاخوة في الوطن الواحد، وهو ما جرى في اليمن و مصر وليبيا والعراق وسورية، فالمطلوب منا ونحن نستعد للعام الجديد 2018 أن نتفهم شؤوننا وأن نعمل يداً واحدة من أجل مواجهة الصعاب والعقبات؛ لأننا كلنا فداء للوطن الذي يحمله كل منا في قلبه، خاصة وان الحفاظ على هذه الوحدة في عالمنا العربي، من أوجب الواجبات الآن؛ حتى يستطيع عالمنا العربي عبور هذه المرحلة الصعبة وأن نؤكد على مبدأ الانتماء والمواطنة التي ينبغي أن تكون الميزان الذي توزن به القضايا المختلفة داخل الوطن وخارجه، لأن تكون الميزان الذي توزن بالقضايا المختلفة داخل الوطن وخارجه؛ لأن الجميع شركاء في خيره، وفي اقتسام التكلفة التي سندفها جميعاً – لا قدر الله – اذا لم توحد امتنا العربية صفوفها وكلمتها لمواجهة كل التحديات، وهذا يتطلب منا نحن العرب، في مختلف امصارهم واقطارهم التركيز على بناء النهضة الجديدة على قاعدة التعاون والتفاهم والتضامن ونبذ الخلافات والتركيز على ما يجمعنا وليس على التفرقة وخاصة الانقسام الفلسطيي – الفلسطيني.. فالعمل المطلوب له قيمة كبرى ينبغي التركيز عليها، والاعلاء من شأنها في نفوسنا جميعاً، وأن تأخذ حظها في تربية النشء عليها حتى يتخرج لدينا جيل بعيد عن العنف ويعشق العمل ويتمناه.
واذا كنا واجهنا الكثير من المشكلات في وطننا العربي خلال العام الحالي، فاننا نتطلع بكل تفاؤل ان يعم السلام منطقتنا العربية خلال العام الجديد، وان تذعن اسرائيل للقرارات الدولية بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وان تقف الامة العربية والاسلامية صفا واحد لمواحهة قرارات الادارة الاميركية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وان تعود الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وان يكون عالمنا الذي شهد خلال السنوات الخمس الماضية للاسف سفكاً للدماء البريئة، اكثر عدلاً وسلاماً يتجاوز حروبه وأزماته.. ويعالج مسببات التطرف والارهاب، وأن يلتقي العالم حول القيم المشتركة للانسانية، وينأى عن ممارسات التمييز والتعصب، وينشر الخير بين شعوب العالم.. وأن نُمضي معاً في الاردن وغيرها الى التطلع لمزيد من الاستثمار والمشروعات الانمائية وفرص العمل والحد من الضرائب التي تؤرق المواطنين في هذا الظرف الصعب والمزيد من الوقوف الى جانب الأقل حظاً والاكثر احتياجاً من أبناء شعبنا كي تحل الاعوام المقبلة وهو أوفر حظاً وأفضل حالاً.
و الواقع أن رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي أوضح وحدد معالم الاردن في مناسبات عديدة، وفي لقاءات عقدها مع المسؤولين في المؤسسات الرسمية والشعبية من االشمال الى الجنوب، حيث قال “اننا في الاردن بلد المحبة والسلام نعيش مسلمين ومسيحيين في مجتمع واحد، ولا يوجد ما يفرقنا بل توجد كل الجوامع المشتركة لوحدتنا، واننا نتمسك بالمبادئ والاسس الصادقة، لافتاً الى ان كل مَنْ في هذا البلد، هو نظير للآخر، دون فرق على الاطلاق. ومشدداً في الوقت ذاته الى ضرورة التكاتف لخدمة الوطن والمواطن والمحافظة على وحدة الاردن ونسيجه الاجتماعي. وهذه الدعوة يجب ان تكون ديدن الاردنيين جميعاً بغية تناسي الخلافات والاحقاد، والتطرف وأن يعملوا جميعاً للنهوض بهذا الوطن الغالي في شتى مرافقه ومجالاته في هذه المرحلة الحساسة.
لقد شهد هذا العام الذي نودعه المزيد من التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية على المستويين الوطني والاقليمي والدولي، خاصة وان معطيات عديدة حدثت في عالمنا العربي وخاصة في سورية وغيرها، كان لها التأثير الكبير على الاردن سياسياً واقتصادياً وتحمل هذا البلد العبء الكبير في تحمل مسؤولياته بكل جدارة واقتدار، وكان في مقدمة هذه الانجازات والمكتسبات الكبيرة التي بذلها جلالة الملك عبدالله الثاني في بناء الانسان وتكوين شخصيته المتكاملة وتعليمه وتثقيفه وصقله وتدريبه، وهي في مقدمة الاهداف النبيلة والغايات الجليلة التي سعى اليها جلالته دائماً، وقام بتحقيقها من أجل توفير العيش الكريم لكل فرد من الاردنيين على هذه الارض الطيبة والمعطاءة دائماً.. وحرصه الكبير على تطوير مؤسسات التعليم العالي بمراحلها ومجالاتها المختلفة، ودوره الكبير في تحقيق التلاحم والتماسك بين أبناء الوطن.. وهذه الجهود لجلالته تهدف الى بناء اردن عصري مفعم بروح التفاؤل والعزم والاصرار، لتحقيق الأمن والرخاء والتقدم والازدهار وارساء القواعد المتينة التي تم عليها تشييد النهضة الحديثة والدولة العصرية.. فضلاً عن ترسيخ الديمقراطية..
ولعل من المهام المطلوبة للحكومة السعي و الاسهام في جذب الاستثمارات للاردن بعد ان شحت الاستثمارات الخليجية، ووقف اية اتجاهات لرفع الاسعار كالكهرباء والماء والخبز وغيرها والتكيف مع المتغيرات والاثار التي صاحبت الأزمة المالية العالمية التي تأثر بها الاردن ومختلف دول العالم بدرجات متفاوتة، واذا كنا نشيد بالانجازات الكبيرة للاردن وبحرية الراي والتعبير والحراك الشعبي والتظاهرات التي سارت في البلاد بصورة سلمية، والتي زادت عن عشرة آلاف تظاهرة مؤخراً فاننا لا بد وأن نشيد بدور اعلامنا الوطني الذي له دور كبير للتعبير عن وجهة نظر الاردن المشرقة والوضاءة الامر الذي يجب ايلاءه الاهتمام الكبير ولا سيما في اعقاب الدور الذي لعبته نقابة الصحفيين برئاسة الاستاذ راكان السعايدة واتصالاته مع رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي لرفع الاعباء بل وازالتها من امام الصحفيين والصحف الوطنية والمواقع الالكترونية دعما للمسيرة الاعلامية خاصة وأن صحافتنا الوطنية والالكترونية شهدت تطوراً ملموساً في سعيها الكبير لتعزيز اجراءات الحكومة لتطوير اعمال الدولة، ومكافحة الفساد والمفسدين ومواكبة التطورات المتسارعة في مجالي الاعلام والاتصالات على المستوى الاعلامي وفي مواجهة العولمة..
وبالرغم من الاوضاع المأساوية التي تمر بها اليمن و سورية وليبيا وبعض الدول العربية، الا اننا وبمنطق الفطرة والنظرة التفاؤلية نستقبل العام الجديد بروح يسودها الأمل وتمتلكها تباشيره خاصة ونحن نستعد لطي صفحة 2017 في تاريخ حياتنا السياسية العربية ونتطلع بكل ثقة الى أن تتكاتف كل الجهود لتحقيق الآمال والتطلعات والرؤى للقيام بواجبنا جميعاً على أكمل وجه في مختلف المجالات، والتعديل الحقيقي لبعض القوانين في المجلس النيابي وان نضع نصب أعيننا هدف التطوير والاصلاح والتعديل الحقيقي لبعض الأنظمة السياسية والاقتصادية والمحلية وقوانين العمل والتجارة، والاستملاك ونظم التعليم ومستقبله ومناهجه، وقضايا الفكري والثقافة وقوانين الاستثمار وحركة الاقتصاد ومردودها على دخل المواطن العادي، بالاضافة الى سن قوانين جديدة عبر مجلسنا العتيد لانهاء قضايا الفقر والبطالة وتحسين مستويات ذوي الدخل المحدود في مختلف المحافظات..
والامل كبير في ان تعود الى ساحتنا الوطنية العلاقات القوية العامة والخاصة، وان نفتح الابواب امام جميع المراجعين للاستماع الى اصواتهم وحل مشكلاتهم والاسهام في دعم المفكرين والادباء وشباب العلماء والنقاد والباحثين وتوفير الدعم والتأييد لهم..
وكلنا ثقة في أن نمضي الى عام جديد وكلنا ثقة في بناء مجتمع اردني مستقر وآمن.. وسط هذه المنطقة التي تموج بالأزمات واراقة الدماء ومخاطر التطرف والارهاب.. مجتمع اردني يخطو بكل تفاؤل ومصداقية ومكانة على المستويين الاقليمي والدولي بحيث يعكس ثقل سياستنا الوطنية والقومية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ودوره الريادي والفاعل حيال النزاعات في المنطقة، وبعزم لا يتزعزع على مواصلة جهودنا من اجل حل كل المشكلات الراهنة، وتحقيق القضايا العادلة لامتنا العربية واستقرار منطقتنا فنحن ولله الحمد نودع العام 2017 وبلادنا أحسن حالاً من غيرنا.. سلاماً وأمناً وانجازاً ونزداد تفاؤلاً بمستقبل الاردن وابنائه الذين يتطلعون نحو مستقبل مشرق، يحقق الآمال والتطلعات والأهداف الوطنية والقومية خلال العام الجديد وما يليه من اعوام بقلوب صافية وتطلعات وطموحات كبيرة لبناء الوطن ودعم مسيرة المواطنين الخلاقة والهادفة الى غد مشرق يحقق للامة كل ما تطمح له من خير وسعادة وامن وطمأنينة واستقرار.
*رئيس تحرير جريدة سلوان الاخبارية.